الشيخ محمد رشيد رضا
14
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أكمل استعدادا له من جميع الأنام ، قال ( الأستاذ الامام ) ولا بعد في تشوفه إلى قبلة إبراهيم ، وقد جاء باحياء ملته ، وتجديد دعوته ، ولا يعد هذا من الرغبة عن أمر اللّه تعالى إلى هوى نفسه ، كلا ان هوى الأنبياء لا يعدو أمر اللّه تعالى وموافقة رضوانه . ولو كان لأحد منهم هوى ورغبة في أمر مباح مثلا وأمره اللّه تعالى بخلافه لا نقلبت رغبته فيه إلى الرغبة عنه إلى ما أمر اللّه تعالى به ورضيه ، بل المقام أدق ، والسر أخفى ، إن روح النبي منطوية على الدين في جملته من قبل أن ينزل عليه الوحي بتفصيل مسائله ، فهي تشعر بصفائها وإشراقها بحاجة الأمة التي بعث فيها شعورا إجماليا كليا لا يكاد يتجلى في جزئيات المسائل وآحاد الاحكام الا عند شدة الحاجة إليها ، والاستعداد لتشريعها ، عند ذلك يتوجه قلب النبي إلى ربه طالبا بلسان استعداده بيان ما يشعر به مجملا ، وإيضاح ما يلوح له مبهما ، فينزل الروح الأمين على قلبه ، ويخاطبه بلسان قومه عن ربه ، وهكذا الوحي إمداد ، في موطن استعداد ، لا كسب فيه للعباد ، وإذا كان حكم شرع لسبب مؤقت ، وزمن في علم اللّه معين ، فان روح النبي تشعر بذلك في الجملة ، فإذا تم الميقات ، وأزف وقت الرقي إلى ما هو آت ، وجدت من الشعور بالحاجة إلى النسخ ما يوجهها إلى الشارع العليم ، والديان الحكيم ، كما كان يتقلب وجه نبينا في السماء تشوفا إلى تحويل القبلة فذلك قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ أي اننا نرى تقلب وجهك أيها الرسول وتردده المرة بعد المرة في السماء ، مصدر الوحي وقبلة الدعاء ، انتظارا لما ترجوه من نزول الامر بتحويل القبلة فسر بعضهم تقلب الوجه بالدعاء ، وحقيقة الدعاء هي شعور القلب بالحاجة إلى عناية اللّه تعالى فيما يطلب ، وصدق التوجه اليه فيما يرغب ، ولا يتوقف على تحريك اللسان بالألفاظ ، فان اللّه ينظر إلى القلوب وما أسرت فان وافقتها الألسنة فهي تبع لها ، والا كان الدعاء لغوا يبغضه اللّه تعالى ، فالدعاء الديني لا يتحقق الا باحساس الداعي بالحاجة إلى عناية اللّه تعالى ، وعن هذا الاحساس يعبر اللسان بالضراعة والابتهال ، فهذا التفسير ليس بأجنبي من سابقه . فتقلب الوجه في السماء عبارة عن التوجه إلى اللّه تعالى انتظارا لما كانت تشعر به روح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وترجوه من